ابن قيم الجوزية

47

عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين

أنه مستحب فمرجع الدين كله إلى هذه القواعد الثلاث : فعل المأمور وترك المحظور والصبر على المقدور . وأما الذي من جهة العبد فإِنه لا ينفك عن هذه الثلاث ما دام مكلفاً ولا تسقط عنه هذه الثلاث حتى يسقط عنه التكليف . فقيام عبودية الأمر والنهي والقدر على ساق الصبر لا تستوي إلا عليه كما لا تستوي السنبلة إلا على ساقها فالصبر متعلق بالمأمور والمحظور والمقدور بالخلق والأمر والشيخ دائماً يحوم حول هذه الأصول الثلاثة كقوله : يا بني افعل المأمور واجتنب المحظور واصبر على المقدور . وهذه الثلاثة هي التي أوصى بها لقمان لابنه في قوله : ( يا بُني أَقمِ الصَلاةَ وأَمُر بالمعروف وانه عَن المُنكر واصبِر على ما أَصابك ) فأمره بالمعروف يتناول فعله بنفسه وأمر غيره به وكذلك نهيه عن المنكر أما من حديث اطلاق اللفظ فتدخل نفسه وغيره فيه وأما من حيث اللزوم الشرعي فان الأمر الناهي لا يستقيم له أمره ونهيه حتى يكون أول مأمور ومنهي . وذكر سبحانه هذه الأصول الثلاثة في قوله : ( إنما يتذكَرُ أُولوا الأَلباب الذينَ يوفون بعهد اللَهِ ولا ينقضون الميثاق والذين يصلون ما أَمر اللَه به أَن يوصل ويخشون ربَهُم ويخافون سوء الحساب والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأَقاموا الصلاة وأَنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية ويدرأَون بالحسنة السيئة أُولَئكَ لهُم عقبى الدار ) . فجمع مقامات الاسلام والايمان في هذه الأوصاف فوصفهم بالوفاء بعهده الذي عاهدهم عليه وذلك يعم أمره ونهيه الذي عهده إليهم بينهم وبينه وبينهم وبين خلقه ثم أخبر عن استمرارهم بالوفاء به بأنهم لا يقع منهم نقضه . ثم وصفهم بأنهم يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويدخل في هذا ظاهر الدين وباطنه وحق الله وحق خلقه فيصلون ما بينهم وبين ربهم بعبوديته وحده